Skip to main content

ماذا لو؟

"ماذا لو؟" كلمتين بواقع و تأثير مختلف بناءاً على سبب إستخدامها. ماذا لو؟ ماذا لو فعلت هذا أو ذاك؟ ماذا لو قلت نعم عِوضاً عن لا؟ ماذا لو أتحت لنفسي الفرصة للتحليق بين إنجاز و آخر إلى أن أصل إلى الرضا و الفخر النفسي. ماذا لو وصلت لذاك المكان و قلت لنفسي "لقد فعلتها، لقد نجحت." بإبتسامةٍ صادقة و قلب راضي؟ الإحتمالات كثيرة، لكن الفرص تضل أكثر. نحن جميعاً نريد و الله عز و جل يفعل ما هو أفضل. 

عندما وضبت حقائبي اليوم الثامن من شهر ديسمبر سنة ٢٠١٦ إستعداداً للعودة للوطن، لم أعلم حينها ما كان ينتظرني. كان كل ما يخطر على بالي رائحة طبائن الأحساء و مزارعها؛ هواء واحتنا العريقة العليل في هذا الوقت من السنة. "يا الله" إبتسمت خلال لبسي لمعطفي الأزرق إستعداداً الرحيل بينما مشيت تحت مطر سحب نورث كارولينا التي ربما كانت تودعني. تأملت تلك الطبيعة الخضراء في طريقي للمطار، لكنني ضحكت من الحماس عندما تذكرت نخيل الأحساء و عيونها. لدي حب لا يوصف للأحساء، لأنه يولد مع الشخص و يكبر و يزداد في جيناته. نحن "الحساوية" جميعنا سواسية في هذا الحب، فمن منا يمكنه نكرانه؟ 

وصلت مطار الملك فهد بالدمام صباحاً، و زاد حماسي عندما رأيت أسرتي. يا له من إحساس، حقاً عظيم. سعادة لا توصف، لأن الرحيل صعب، لكنه يهون عندما نعود. كل شيء يصغر عندما نرى هؤلاء من نعمل من أجلهم. أحلامنا هي أحلام أهالينا، فعندنا نرى فخرهم و سعادتهم، نعلم حينها أننا فعلاً حققنا رؤيتهم لنا. "ماذا لو " سؤال قد يخطر على بال أي أم و أب، لكن الجواب دائماً ما تتم إجابته بطريقة أو أخرى من خلال أبنائهم. 

وصلنا للأحساء، و رحبت بِنَا النخيل بداية شارع الظهران، بينما كانت هيئة الري و الصرف على يسارنا. نظرت إلى تلك الشوارع بينما أدمعت عيناي. "أنا فعلاً هنا!" حضنتني واحتنا أينما نظرت؛ أُمي هي الأحساء. وصلنا البيت و إستنشقت رائحة البخور الممزوجة بالقهوة العربية الطازجة.  إستفتحنا يومنا بتمر الإخلاص الأحسائي على صوت المساجد بالخارج. شعور الطمأنينة هذا يهدئ الأعصاب و يريح القلب. حينها فقط نعلم أن لا مكان يساوي البيت و الوطن. يمكننا إستكشاف العالم كله، لكن يستحال أن نجد مكاناً مثل وطننا. 

رحلتي هذه مختلفة تماماً عن أياً من إجازاتي السابقة للمملكة. لا أعلم إن تغير الجميع، أم إذا أنا نفسي تغيرت. نظرتي كانت مختلفة نوعاً ما لأشياء كثير هذه المرة. بدأت إجازتي بقضاء وقت ثمين جداً مع عائلتي و أقاربي. تلك الإبتسامات الصادقة التي طمأنت قلبي، الضحكات العالية التي غمرتني بالفرح، الصور التي أوقفت ثانية من حياتنا لنتذكرها للأبد، و اللحظات الثمينة التي سأتذكرها لطالما حييت. يوهبنا الله بناس كالسحب، يمطرون علينا بعلمهم و خيراتهم لكي ننمو و نكبر. شكراً لله عليهم، شكراً لله لهم، لكم، أنتم. 

ربما أجمل ما حدث كان عندما شرفتني جامعة الملك فيصل بالأحساء بدعوة لقاعتهم الكبرى للحديث هناك. لطالما مررت بهذا الصرح العلمي في صغري، و كنت دائماً أتساءل عن اليوم الذي سأرتاد فيه تلك الجامعة العريقة. لم أعلم حينها أن كان للقدر خطط أخرى، لكن ذاك اليوم غير الكثير. أعطاني الحضور سعادة حقيقية لم أشعر بها من قبل، حفاوة الجميع و حبهم غمرني، و خمسة عشر فتاة بالتحديد ألمهنني لأفعل ما هو أفضل من أجلهن، لكي أكون حقاً سفيرة حسنة تمثلهمن حق تمثيل، لأنني وجدت بكل واحدة منهن شغف للعلم، و نور يشع إلهام. علمت حينها أن عيون أحساؤنا الكريمة تولد شباب عظيم؛ شباب سيكبر ليخدم و يستثمر من علمه في الوطن الكريم. دائماً ما أتباهى في غربتي بشباب وطني، لكن ما شهدته خلال ذلك اليوم في جامعة الملك فيصل جعلني أقف إحترام و تقدير لهذا الجيل الملهم الطموح.  "ماذا لو؟" سألت نفسي بينما خرجت من الجامعة. ماذا لو كل طالبة قابلتها فعلاً حققت حلمها و صنعت منه مشروع يفخر به الوطن؟ ماذا لو جميعنا بدأنا بالتكاتف معاً من أجل منفعة جماعية؟ ماذا لو أتحنا لأنفسنا الفرصة لوضع هدف و تحقيق حلم؟ تضل حتى هنا الإجابات و الإحتمالات كثيرة، لكن حقاً، ماذا لو؟

إجازتي هذه أتاحة لي الفرصة للإستفادة من شغف أبناء جيلي. تعلمت أن "ماذا لو؟" هي فقط مجاز يصور لنا واقع مختلف يمكنه أن يتحول لحقيقة. الفرص المتاحة لنا هي مفتاح لأبواب عديدة، و الحكيم فقط هو من يختار طريقه الصحيح. كل طريق له قصة و تجربة تختلف، لكن كل شيء جديد يساعدنا على بني شخصياتنا بطريقة أقوى و أفضل. 

بينما وضبت حقائبي للرجوع لنورث كارولينا، وضعت فيها ما هو أثقل من الملابس. وضعت هذه الذكريات الجميلة بكل تفاصيلها. وضعت آمال و طموحات الشباب السعودي العظيم. حملت دروس قيمة تعلمتها من تجارب ثمينة.  ودعت أهلي و تحصنت بدعائهم، بينما نظرت للوراء لأرآهم يلوحون و يبتسمون. 

عدت لجبال مدينة بوون الصغيرة حاملة معي الكثير. لكن شيء ما كان مختلف. أنا نفسي إختلفت هذه المرة. هذه الرحلة لقنتني دروس، أهمها أن "ماذا لو؟" هو سؤال سأطرحه دائماً على نفسي، لكن جوابه سيعتمد دائماً على الهدف الذي أطمح له و أعمل من أجله. الإلهام في كل مكان، لكن ما أعطتني إياه الأحساء خلال هذه الرحلة من خلال أهاليها جعلني أُقدّر إختلافتنا في إحلامنا و تطلعاتنا، لأن هذا الإختلاف يوحدنا لننجح معاً.  

Comments

  1. اهنيك على هذه الكتابة الجميلة. نحن معك قلباً وقالباً، واملنا فيك كبير.
    دعواتي لك بالتوفيق والنجاح في حياتك العلمية والعملية.

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

Two Days With Dad يومان مع والدي

*This blog post was written only two days before my dear father's accident -may he rests in peace-. *هذا المقال كُتب يومان فقط قبل وفاة والدي الحبيب رحمه الله  Tears may express both happiness and sadness. A shaking voice can describe either fear or sorrow. A shivering body can describe all of the mentioned above. But what if, only if at one point in life, all of these emotions combine together to crash the human's body? What if our emotions can break our hearts in a second, then build them back again in the next?  الدموع قد تعبر عن كلا السعادة و الحزن. الصوت المكسور قد يعبر عن الخوف و الأسى. الجسم المرتعش قد يعبر عن جميع ما ذكر بالأعلى. و لكن ماذا إذا، فقط إذا في وقفة معينة في الحياة، كل هذه المشاعر تجتمع سوياً لتكسر جسد الإنسان؟  ماذا إذا كانت مشاعرنا قادرة على كسر قلوبنا في لحظة، و إعادة بنائها في الثانية التي تليها؟  Goodbyes are meant to happen to everyone. As I grow up, I realize how hard they can be depending on whom I'm saying goodbye to....

24 في الرضا، الامتنان، والاستقرار.

يقال في أحد كتب باولو كويلو أننا جميعاً في رحلة سعي دائمة في البحث عن "الكنز الكبير" في حياتنا. الكنز هنا  تعبير مجازي، ولمخيلة كل قارئ الحرية في السفر لأبعد المسافات في تصور طبيعة هذا الكنز، سواءاً كان علم، صحة، مال، أو غيرها من الأمور.    لذلك، ماذا لو ابحرنا قليلا لسا بخيالاتنا، لكن بواقع هنا وهناك. بما نراه اليوم في حياتنا من أشخاص، ما نستشعره حولنا من نعم من الله، ما نسمعه من واقع، ما نتنفسه من هواء بارد صافي، ما نتعلمه من دورس، ومن رفقة من هم حولنا من أشخاص نحبهم ويحبوننا، نقدرهم و نحترمهم، ونسعى في رحلة البحث هذه أن نكن على قدرٍ كامل من الوعي لإدراك وجودهم وكل هذه النعم حولنا.     اليوم أصبح عمري 24، وأكتب هنا بالعربية لعلي أستمتع ببلاغة هذه اللغة وجلالة حروفها التي تكون لنا معاني. استذكر السنة الماضية من عمري، وسنواتي الأربعة والعشرون هذه، وكل ذكرى كانت جزء من رحلة السعي هذه تجاه وجهة مختلفة.   أستذكر قصص تسميتي بـ "رزان". كيف كان هناك يوما في مجلس جدي فهد وعاء لقرعة أسماء مختلفة لربما كنت لأصبحها يوما، لكن والدي ممازحاً أمي وأخواتي، أخذ مسؤولي...

الفرسان الثلاثة

"صديقتاي هم أخواتي" هذا ما قلته لسائق التاكسي الذي انتظر معي وصول صاحباتي من المطار يوم الأربعاء من هذا الأسبوع. انتظرت في المطار ٩ ساعات، و لم أملل أو أتعب، ربما لأن حماسي إزداد كلما إقتربت طائرتهم.  لكن دعونا نعود للوراء أولاً. عندما نقابل أي شخص جديد بالصدفة، لا نعلم أن سلامنا الرسمي ذاك قد يحول هذا الشخص الواقف أمامنا إلى جزء كبير من حياتنا. ذاك السلام هو بداية قصص عديدة، مغامرات كثيرة، ذكريات لا نهاية لها، و أحياناً: سفرات غير متوقعة.  قابلتهم في نفس اليوم، لكن قصتنا مختلفة تماماً عن أي صحبة. أصحابي مختلفين، لأن أصحابي هم أخواتي. يقول المثل أن الصاحب ساحب، و أنا أوافقه من وجهة نظري. لأن أصحابي يسحبوني للخير و يدعموني للنجاح. هم ليسوا كأي أحد، و صعب أن نشرح كيف يبارك لنا الله بمقابلة ناس كانوا غرباء فأصحبوا نِعْمَة.  أصحابي سافروا حول العالم من المملكة إلى نيويورك لحضور منتدى مسك و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للشباب و لمشاركتي في تجربة ثرية لتغيير هذا العالم الذين سافروا حوله للتو. وصلوا حاملين معهم رائحة الوطن و آمال شبابه. وصلوا بأعرض ابتسامات بينما رأون...